أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

278

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وكان يقال له في ألقابه : صاحب قران الأقاليم السبعة ، وقهرمان الماء والطين ، وقاهر الملوك والسلاطين ، يحكى أن قاضي القضاة ولي الدين عبد الرحمن بن خلدون المالكي ، قاضي القضاة بمصر كان ، صاحب التاريخ العجيب ، والسالك فيه الأسلوب الغريب ، على ما ذكر لي من رآه ، واطلع على لفظه ومعناه ، من الأذكياء المهره ، والأدباء البررة ، مع أني لم أره ، وكان قد قدم الشام ، مع عساكر الإسلام ، وحين ولت العساكر الأدبار ، أنشبته في مخاليب تيمور الأقدار ، قال له في بعض مجالسه ، وقد أنس بتوانسه : بالله يا مولانا الأمير ناولني يدك التي هي مفتاح فتوح الدنيا حتى أتشرف بتقبيلها ، وقال له أيضا لما أراد أن يستصحبه معه ، وقد سرد عليه شيئا من تواريخ ملوك الغرب ، وكان تيمور مغرما باقراء التواريخ واستماعها ، فأعجبه ذلك غاية الإعجاب ، ورغب منه في الاستصحاب : يا مولانا الأمير مصر حرجت عن أن يتولى فيها نائب غيرك ، أو أن يجري فيها غير أمرك ، ولي فيك عوض من طريفي وتلادي ، وأهلي وأولادي ، ووطني وبلادي ، وأصحابي وأخداني ، وأقاربي وخلاني ، وملوك الناس ، وعن كل ظهر ورأس ، بل وعن كل الورى ، إذ كل الصيد في جوف الفرا ، وما أتأسف ، ولا أتلهف ، إلا على ما مضى من عمري ، وانقضى من عصري ، كيف تقضى ذلك في غير خدمتك ، ولم تكتحل عيني بنور طلعتك ، ولكن القضاء جاز ، وسأستبدل الحقيقة بالمجاز ، وما أولاني ، أن أكرر على لساني ، قوله : جزاك الله عن ذلك السعي خيرا * ولكن جئت في الزمن الأخير فلاستأنفن في ذراك عمرا ثانيا ، ولأعدن الزمان بإبعادي عن عدوتك عاديا ، ولأتداركن ما مضى من عمري بصرف ما بقي في خدمتك والتشبث بغرزك ، ولأحسبن ذلك أعز أوقاتي ، وأعلى مقاماتي ، وأشرف حالاتي ، ولكن ما يقصم ظهري ، إلا كتبي التي أفنيت فيها عمري ، وصرفت جواهر علومي في تصنيفها ، وأظمئت نهاري وأسهرت ليلي في